05 فبراير, 2012

شكراً "سينمائيات"

اليوم ، أثنى أحد الروائيين القديرين على شغفي بالسيناريو كفن . والحقيقة أن رأيه أبهجني و جعلني أسترجع في مخيلتي شريط بداياتي الأولى حين نويت ولوج عالم الكتابة من خلال السيناريو .

كالكل، في بداياتنا ننتقل بين محطة وأخرى حتى تستقر أقدامنا ، ومنها ننطلق إلى المجال الذي نحب ، في محطتي الأولى ، ولاهتمامي بالأدب – ولم يكن بذاك الاهتمام حيث كانت قراءاتي بسيطة وعشوائية وأرجع السبب لصغر سني في تلك الفترة – أقول ، ولاهتمامي بالأدب فقد قررت أن ألج عالم الرواية و أكتب رواية ما . و بأدواتي الفنية البسيطة ، ومعرفتي المتواضعة ، بدأت أحدد معالم الرواية التي سأكتب . شخصياتها ، تفاصيلها ، عوالمها ، و كان انشغالي بها وبشخصياتها أمراً ممتعاً ، وهي أشبه بعملية خلق ، تكون فيها أنت الإله ، وحدك من يحرك الشخصيات ، و وحدك من يحدد مصائرها كيفما ارتأيت .
لكني ، و حين انتصفت الطريق توقفت . بعدما استسخفت فكرة الاكتفاء بالكتابة ، وإبقاء شخصياتي حبيسة الورق ، كأنها جثث . ومن شدة حبي وتعلقي بها ، وددت لو أنها كانت حية و حقيقية . ومن تلك الأمنية الصغيرة . وُلدت فكرة أخرى ، وهي : أن أتحوّل لكتابة السيناريو . كي تبقى شخصياتي كما أردت ، حية و حقيقية . وابتهجت للفكرة ، واحتفيت بالمحطة الأخرى التي قررت أن أبدأ مشواري الطويل منها . لم أعرف من أين أبدأ ، ولا أعرف إن كانت هناك كتب مخصصة لفن السيناريو ، لكني قررت متابعة الصحف وبالأخص الصفحات الفنية ، فلعلي منها ألتقط نصائح ذهبية أتجاوز بها عثرات البدايات في مشواري ، وأيضاً لأتعرف إلى أين سأتجه حين أنوي عرض عملي .
في الحقيقة ، لم تفدني الصحف كثيراً ، لأن غالب الصحف الفنية كانت تقتصر على الأخبار الفنية ، ونادراً ما كنت أجد مقالاً نقدياً ، يحلل ، ويفسر ، ويقوّم . لكن ، وأثناء متابعتي تلك ، لفتتني صفحة أسبوعية في جريدة الرياض بعنوان " سينمائيات " و أؤكد أن متابعتي لها لم تكن لـ اهتمامي بالسينما ، لأنني لم أكن شغوفة بهذا الفن أبداً ،لسبب وحيد وهو اعتقادي أن السينما هي هوليود فقط .


بداية ، شدتني إلى مواد صفحة "سينمائيات "الرؤى الفلسفية ، و اللغة البصرية ، والمفردة الشعرية التي كانت تشبه ما أقرأ في كتب الأدب . قصص ممتعة عن أفلام عظيمة لسينمائيين عظام ، وكانت تتخلل تلك القصص استشهادات من روايات ومن مقولات لبعض الأدباء . إضافة إلى الإشارات لروايات معينة تحولت إلى أفلام سينمائية عظيمة . و حقيقة ، فتنت بهذا التصاهر الساحر بين الأدب والفن ، فكنت أقرأ الروايات المشار لها في المقالات ، وأشاهد الأفلام المقتبسة عنها . وتعرفت أكثر على الكتب الفنية ، وتلك المخصصة لفن السيناريو . و بدأت أتابع السينما الجادة من عام 2006، وأتعرف على السينمائيين العظام وأفلامهم ، و زاد افتناني بهذا الفن ، الذي منحني رؤية فنية ، و عرفني على طرق مبتكرة أخلق بها مشاهدي وأركبها ، حتى تطورت معرفتي أكثر بفن السيناريو .


وأرجع سبب ما وصلت له من خبرة ومعرفة في مجال السيناريو ، وإلى ما اكتسبته من أدوات نقدية فنية، إلى صفحة سينمائيات ، ومحررها القدير رجا ساير المطيري . فالتأثير الذي أحدثه من خلال صفحته الأسبوعية "سينمائيات " لم يكن تأثيراً عادياً ، و يخيل لي لو سألت أي كاتب عما يبحث عنه ويهدف له من وراء كتاباته ، لكان التأثير الذي يحدثه في القارئ هو الجواب .وهذا ما فعلته صفحة سينمائيات الأسبوعية ، التي استطاعت أن تخلق وعي فني لدى القراء . وهذا الوعي الفني نلمس تأثيره حالياً ، حيث ساهم في تغيير واقعنا الفني وسيساهم مستقبلاً في إعادة بنائه .


لست وحدي من يدين بالفضل لـ " سينمائيات" و محررها ، و يثني على ما أحدثته من تأثير ، الكثير من السينمائيين الشباب والمهتمين والمتابعين يشاركونني رأيي هذا . حتى في المنتديات ، كان مرتادي أقسام الفن يتناولون ما كتب في "سينمائيات" ويتباحثون في موادها التي كانت تأخذ حقها من التحليل والنقاشات.

وقبل أن أختم أدرج رأياً آخر ، عن مقالات "سينمائيات " و عن دورها في إعداد نقاد المستقبل ، ورفع مستوى الوعي الفني للمنشغلين في مجال الدراما ، كتبه الناقد السينمائي : تاكني حميد عام (2005) بعنوان : قراءة في «مغامرة» رجا ساير المطيري.. النقدية السينمائية

وأخيراً ، عني وعن كل متابعي سينمائيات أقول : شكراً سينمائيات .

25 نوفمبر, 2011

قراءات في فكر وفلسفة علي حرب





قراءات في فكر و فلسفة علي حرب

النقد ، الحقيقة ، و التأويل




علي حرب ، المفكر اللبناني الذي تتميز فلسفته النقدية بالتحرر من قيود البديهيات ، والمفاهيم السائدة ، والمعروف بنبذه للأحكام الجاهزة والتصنيفات ، و كل ما يكبل العقل ويغلقه ويصلبّه . ومن باب العرفان له ، ولفلسفته النقدية "التي أصبحت اليوم المرجعية الأساسية في الدراسات الفلسفية المعاصرة" كما يقول المشرف على الكتاب محمد شوقي الزين ، فقد تشارك مجموعة من الأساتذة الجزائريين في تقديم قراءات وشهادات جُمعت في كتاب بعنوان " قراءات في فكر وفلسفة علي حرب " والصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون، و منشورات الاختلاف 2010 .
تضمّن الكتاب ، المفاهيم التي شكّلت فلسفة علي حرب ، وعلاقته و مدى تأثره بأعلام الفلسفة العرب والغرب ، و أهمية " القراءة " لديه ، والتي احتلت الحيز الأكبر في فلسفته ، حيث يرى بأنها هي البديل لفكرة الحقيقة ، فبالقراءة وتقنياتها "التفكيك والتأويل" يمكن الوصول إلى الحقيقة وتعريتها . والقراءة التي ينادي بها حرب هنا ، هي القراءة التي تُظهر ما في النص من تعدد ، وتنوّع ، واختلاف ، وما يستبطنه من دلالات .
وترزح تحت القراءة تقنيات مثل التفكيك و التأويل ، والتي أولاها حرب الكثير من الاهتمام ، لأنه بالتفكيك والتأويل تتعدد وجوه النص و دلالاته وبالتالي يكون النص قد أُخرج من معناه الأحادي وهو ما يهدف إليه حرب في فلسفته .
"اللغة " كذلك كان لها نصيب من الدراسة ، حيث كشف إبراهيم احمد في دراسته عن فلسفة اللغة عند علي حرب و أهميتها لديه ، فهو يعي مدى فاعليتها في إيصال فكره وفلسفته ، و يعي دورها الهام والكبير في صناعة المفاهيم .
من هذا الاهتمام الذي أولاه حرب للغة ، والقراءة ، والتفكيك ، والتأويل ، والنقد ، والحقيقة وغيرها ، نستشف اهتمامه وهدفه وسعيه من أجل النهوض بالوعي العربي ، و إكسابه أدوات نقدية تحرر فكره وتعينه على فهم الواقع وعلى الخلق والإبداع ، ففلسفته لم تهتم بالقضايا بل بالمعالجة والتحليل وإعادة بناء القضايا الفكرية والحضارية العربية .

27 سبتمبر, 2011

صور الوجود ..السينما تتأمل .





نُشر في ملحق شرفات - جريدة عُمان


27-9-2011





قد لا يرى بعض القرّاء - و منهم الشغوفون بالسينما والمهتمون بمكتبتها - في الكتب التي تحوي سلسلة من القراءات للأفلام ، ما يضيف لهم كقراء أو يشبع شغفهم ، تماماً كما تفعل بقية الكتب بمختلف حقولها، ولا أخفيكم أنّ كاتبة هذه السطور كانت تنتمي لتلك الفئة السالفة الذكر . لكن ، و بعدما قرأت كتاب الروائي و الشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله المعنون بـ "صور الوجود ..السينما تتأمل " بطبعته الثانية والصادر عن الدار العربية للعلوم (2010) ، فإنّ نظرتي حيال تلك النوعية من الكتب قد اختلفت ، و يعود السبب في ذلك ، إلى أنّ هذه القراءات لم تكن مجرّد قص حكاية لفيلم ما ، – و أيضاً – لم تكن تنتمي لتلك القراءات السينمائية التي تستلزم شروطات معينة قد يُرى في تخطيها نقصاناً وعيباً ، و ربما خطيئة ! ، لكنها قراءات كانت بمثابة قطعة أدبية غنية بالشِعر، و بالفلسفة ، و بكثير من التأملات و الرؤى .


" جاءت السينما لتفكّر و ترينا كيف نفكّر ، و تسأل وترينا مدى السؤال ، و تجيب و ترينا دم الإجابة و عبثيتها " يقول إبراهيم نصر الله . كذلك يفعل هو في كتابه ، وعبر لغته البصرية يعلمنا كيف نُشاهد و نتبصّر و نتأمل ، وكيف نستدل على مفاتيح الأفلام و أسرارها و خفاياها ، و فهم دلالاتها الضمنية ، و معانيها المستبطنة ، وأبعادها ، وكل ما استغلق أو استعصى على الفهم . إنه ومن خلال هذه القراءات والدراسات المميزة يجعلنا ننظر للأفلام من منظور آخر و مختلف ، منظور يغني الذائقة البصرية و يهذبها. و لهذا أرى أن قيمة هذا الكتاب معادِلة لقيمة كتب الأدب الأخرى . حيث تقدم كل ما يقدمه الأدب من متعة مقرونة بفائدة .


لم تكن اختياراته للأفلام عشوائية ، لكنها و كما يقول نصر الله في مقدمة كتابه أنها تذهب إلى اتجاه و هو : ( كيف تأملت السينما الوجود البشري وأسئلته على هذه الأرض و كيف استطاعت التعبير عن أزمات هذا الوجود وهي تفتح أفقاً جديداً و واسعاً يؤاخي بين شرعية السؤال و حيرة الإجابة ، الإجابة التي ما تلبث أن تتحول إلى سؤال .. وهكذا " ، وتنقسم قراءاته إلى خمسة فروع هي : لعنة الاختيار ، الجريمة و العقاب ، الوجه و القناع ، تاريخ مظلم ، مصير قاتم ، و تندرج في قائمة كل فرع مجموعة من الأفلام والبالغ عددها 27 ، منها ( أسطورة 1900- Legend of 1900 ) لمخرجه الإيطالي جوزيبي تورناتوري ، (أحلام –Dreams ) للمخرج الياباني الكبير أكيرا كوروساوا ، ( الربيع ، الصيف ، الخريف ، الشتاء ، والربيع أيضاً ) لمخرجه الكوري كيم كي – دوك ، ( أنت المُراد – you're the one ) لمخرجه الإسباني خوسيه لويس غارسيا .


بقي أن أقول ، أن كتاب " صور الوجود " ليس إضافة للمكتبة " السينمائية " وحدها ، بل هو إضافة نوعية للمكتبة العربية عامة .

10 سبتمبر, 2011

عن رواية " ابن طرّاق "












* نُشر في ملحق شرفات - صحيفة عُمان بتاريخ 6-9-2011










ابن طرّاق" ليست هي الرواية العربية الأولى التي يشترك في كتابتها روائيان ، بل سبقهما إلى ذلك عبدالرحمن منيف و جبرا إبراهيم جبرا ، في رواية " عالم بلا خرائط " . و إن كان منيف و جبرا قد كتباها بعد توهج كل منهما على حدة ، على عكس مؤلفين " ابن طراق " بدر السماري ومحمد السماري ، الذي يعد مشروعهما الروائي الأول .


عن سطوة الأب ، وما ترتب عليها من نتائج ، و عن الحياة المحلية بكل تفاصيلها و تناقضاتها تدور الرواية ، الصادرة عن دار أثر بالتعاون مع الدار العربية للعلوم ، و التي جاءت في سبعة فصول . فمن اللحظات الأخيرة من حياة "ابن طراق "، و من مرحلة احتضاره ولدت الرواية ، التي تحكي قصة الرجل – ابن طراق - الذي استأثر السُلطة والرأي لنفسه ، فمكّنه ذلك من فرض إرادته و بسط نفوذه على الجميع ، بمن فيهم أبنائه ، نسائه ، خليلاته ، أصدقاءه ، و كل من تتقاطع معهم مصالحه . ففي حياته ، أخضع الجميع لرأيه ، و سيّر المصائر بغير رغبة أصحابها من أجل غايات تخدمه وتعزز سيادته . فكان وأد الطموحات ، و سحق الرغبات الخاصة ، و مصادرة الحريات ، والعبث بالمصائر ، هي نتائج طبيعية لمثل هذه السلطة الأبوية الصارمة التي تُقزم كل من يحاول التطاول عليها . سلطة عَجِز الكل عن هزمها عدا الموت الذي غيّب ابن طراق ، فكتبت لأبنائه و زوجاته و خصومه وأصدقائه حياة أخرى ، و زمن آخر غير ذلك الزمن الذي كُممت فيه أصواتهم . ومن هنا يتسع المعنى وفحوى الرواية التي تبعث على التأمل في مصائر هذا المجتمع الصغير الذي هو جزء من مجتمع كبير .


تمتد خيوط الرواية وتتشابك لنرى المحيطين بابن طراق ما هم فاعلين بحياتهم بعده . فمنهم من طمع بسلطة مشابهة لسلطة ابن طراق وهو ابنه جبل ، لكنه فشل لأنه لم يرث عن أبيه فطنته وقوة حدسه التي تمكنه من رؤية مستقبله ، ولا يملك مهارة والده في التحكم بزمام الأمور قبل انفلاتها . ومنهم من كان لسطوة ابن طراق أثرها السيئ على شخصيته ، مثل أم جبل -الزوجة الأولى- ، و المرأة الخاضعة والخانعة التي ترى في كل خروج عن وصايا زوجها وعاداته خطيئة كبرى . و البعض كان ينتظر الفرصة فقط ، للتخلص من سطوة ابن طراق ، كصملول ذلك التاجر الذي اعتلى مكانة لم يكن ليعتليها على حياة ابن طراق . وكذلك فردوس الزوجة الفاتنة والأثيرة عند ابن طراق . وهي المرأة المستقلة بذاتها ، المتجددة ، الجسورة ، و المحبة للحياة . والتي انعكست خصالها هذه على حياة أبناءها حيث حرصت على تعليمهم ، واستقلاليتهم ،و سمحت لهم بدخول التقنيات الحديثة التي استشعرت أهميتها . بعيداً عن التقشف الذي كان يمارسه ابن طراق والذي كان معادياً لأساليب الحضارة التي لا يرى في وجودها ضرورة . وهكذا استطاعت فردوس – والتي ترمز للمرأة الطموحة والمثابرة - أن تجد لنفسها مكانة وإن كانت ضيقة المساحة ، لكنها تبقى أفضل حالاً من عهد ابن طراق ، الذي اقتصر حضور المرأة فيه ما بين الواجبات الزوجية و الملذات التي كانت له نسائه الخاصة .


تعددت الأصوات في الرواية التي عمدت إلى مسرحة الأحداث . حيث قدّم الساردان أحداث الرواية وشخوصها من وجهة نظرهما ، وتشاركهم الشخصيات – أيضاً - بتقديم نفسها ، و في كشف الحقائق ، وتبرير مواقفها التي سيء الظن بها . ولا نغفل دور الحوارات التي كانت لها أهمية في كسر رتابة السرد ، والتي جاءت بلهجة محلية عززت كثيراً من واقعية الأحداث ومصداقيتها ، و استطاعت أيضاً – أي الحوارات - أن تعكس سلوك الشخصيات ، وطباعها ، والكشف عن هويتها ، ونواياها ، ودوافعها ، ومستوى ثقافتها المستقاة من البيئة المحيطة بها .


أستطيع هنا أن أقول ، أنّ رواية ابن طرّاق عكست بمصداقية و بفنية تفاصيل بيئة محلية لها ثقافتها الخاصة ، و فئة من مجتمع انحصر تفكيرها المحدود حول المال والملذات والسيادة . وإن كان موضوعها هذا مطروقاً ، لكنها رواية تدفع بالمعنى لأبعاد واسعة ، وهو ما أضفى عليها قيمة فنية تتفرد بها الرواية عن مثيلاتها .

07 يوليو, 2011

certified copy - 2010






أرسطو الفيلسوف الذي أعلى من شأن المحاكاة / الفن ، حيث رأى بأنها إعادة خلق لا تخلو من رؤية إبداعية ، وجعل ناقلها / خالقها في مصاف المبدعين الخلاقين . لم يفاضل بينها وبين الفلسفة كما فعل أفلاطون ، لكنه رأى في كليهما – أي الفلسفة والمحاكاة - مجريان يقصدان مصب واحد ، هي الحقيقة التي أشقت الإنسان ولا زالت ، فالفلسفة عن طريق البراهين والأدلة ، والمحاكاة / الفن عن طريق التخيّل .


المخرج الإيراني عباس كياروستامي . انتصر لرؤية أرسطو حيال المحاكاة / الفن في فيلمه " نسخة طبق الأصل "والذي تدور أحداثه حول كاتب انجليزي ناقد وباحث في الفنون يدعى جيمس "ويليام شيمل" ، والذي قصد ايطاليا من أجل محاضرة يلقيها حول مضمون كتابه الذي كان قد ترجمه مقدم المحاضرة إلى اللغة الايطالية . وأثنى جيمس على ترجمته ضمن محاضرته ، حيث ذكر أن النسخة المترجمة قد أضافت الكثير لكتابه الأصلي ، ما جعله يقول بما يؤمن به ، و هو أن " النسخة أحياناً تكون أجمل من الأصل " .


صادف أن جمعته بتلك المُحَاضرة سيدة "جولييت بينوش " من أصل فرنسي ، تعيش منذ 5 أعوام في ايطاليا ، وهي صاحبة معرض للتحف ، لها ابن من زوج يتضح من خلال أحداث الفيلم تأثرها بإهماله . هذا التأثر الذي أرهقها بدا يتكشف شيئاً فشيئاً حين رغبت في أن تجعل من "جيمس" نسخة جميلة من زوجها . كيف ذلك ؟

بعد اتفاق مسبق التقيا في مقهى ، و في خضم انشغال جيمس بمحادثة هاتفية طارئة ، أشارت لها صاحبة المقهى أنهما يبدوان كثنائي/ زوجين ، وهو ما شجع السيدة للحديث عن زوجها و إهماله لها و لابنها ، فلم تتوانى صاحبة المقهى في إبداء رؤيتها حول الرجال وحقيقتهم كما تراها هي ، حيث تعتقد أن عمل الرجل وعلاقاته من أولياته في الحياة ، و بعدها تأتي عائلته و زوجته .


كانت تلك هي النقطة الأولى ، التي منها بدأنا نستصعب – كمتابعين- الجزم في تحديد نوعية العلاقة التي تربط جميس بالسيدة . هل هو زوجها حقاً ؟ ، أم هي رغبتها في أن يكون ؟ . و في كل مشهد كانت المحاكاة – التي تخيلتها وشكلتها السيدة - تفرض ذاتها كحقيقة و كواقع ، حتى تماهت الحدود تماماً بينهما ، واجتمعا أخيراً في غرفة في فندق ما ، كانت قد جمعتهما بداية زواجهما كما تزعم السيدة . و بعد محاولات منها لـتذكيره بتفاصيل كان هو قد نسيها ، حاولت أن تستبقيه ، ولم يفعل .


هذا من جهة ، من جهة أخرى استند الفيلم كثيراً على الحوار الذي كان يكشف في كل موقف -رغم اختلاف اللغات في الفيلم - ، تباين وجهات النظر ، حول المرأة ، الرجل ، التمثال ، اللوحات و تفاصيل أخرى . وبذلك يكون الفيلم قد كشف صورة أخرى من صور المحاكاة / الفن ، و هو أن لا لغة تعيقه ، فهو بذاته لغة حوار موحدة تنصهر فيها كل اللغات، و وحده كفيل بمعرفة ما لدى الآخر ، و استفهامه واستنتاج أفكاره ، و فهم خبايا نفسه و استنطاقه ، تماماً كما حدث مع السيدة .

10 مارس, 2011

فاصلة بين جحيمين






فاصلة بين جحيمين
لـ نهلة محمد


مجموعة قصصية مقسمة ما بين قصص قصيرة وقصيرة جداً ، ما يميز هذه المجموعة هي مفردتها
الشعرية العالية ، والسرد الأشبه بالسرد الروائي ، حيث لم تلتزم القاصة " نهلة محمد " بـ متطلبات القصة التي عهدناها ، والتي تشترط الاقتصاد في اللغة ، و التخفيف من شعرية المفردة . وهو مالم يُخلْ من جماليات قصصها أبداً ، بل رأيت أنها استطاعت أن تصطفي لنفسها خطاً مغايراً في عالم القصة .


كانت قصصها " القصيرة" أقرب إلى الكلاسيكية ، بـ بدايات هادئة ، ونهايات خالية من الإنعطافات المفاجئة ، وعلى عكسها جاءت القصص " القصيرة جداً "، مقتضبة ولها إيحاءات و دلالات تبين جدارة القاصة و تمكنها من فهم هذا الفن القصصي .


أما القضايا التي تناولتها القاصة في مجموعتها فكانت من الإنسان وللإنسان ، فكان وحده ، وكل ما يواجهه من قهر، وحاجة ، وعجز ، و مرض ، وضعف ، وعنف ، وضياع ، هو هاجسها الأول .