كالكل، في بداياتنا ننتقل بين محطة وأخرى حتى تستقر أقدامنا ، ومنها ننطلق إلى المجال الذي نحب ، في محطتي الأولى ، ولاهتمامي بالأدب – ولم يكن بذاك الاهتمام حيث كانت قراءاتي بسيطة وعشوائية وأرجع السبب لصغر سني في تلك الفترة – أقول ، ولاهتمامي بالأدب فقد قررت أن ألج عالم الرواية و أكتب رواية ما . و بأدواتي الفنية البسيطة ، ومعرفتي المتواضعة ، بدأت أحدد معالم الرواية التي سأكتب . شخصياتها ، تفاصيلها ، عوالمها ، و كان انشغالي بها وبشخصياتها أمراً ممتعاً ، وهي أشبه بعملية خلق ، تكون فيها أنت الإله ، وحدك من يحرك الشخصيات ، و وحدك من يحدد مصائرها كيفما ارتأيت .
في الحقيقة ، لم تفدني الصحف كثيراً ، لأن غالب الصحف الفنية كانت تقتصر على الأخبار الفنية ، ونادراً ما كنت أجد مقالاً نقدياً ، يحلل ، ويفسر ، ويقوّم . لكن ، وأثناء متابعتي تلك ، لفتتني صفحة أسبوعية في جريدة الرياض بعنوان " سينمائيات " و أؤكد أن متابعتي لها لم تكن لـ اهتمامي بالسينما ، لأنني لم أكن شغوفة بهذا الفن أبداً ،لسبب وحيد وهو اعتقادي أن السينما هي هوليود فقط .
بداية ، شدتني إلى مواد صفحة "سينمائيات "الرؤى الفلسفية ، و اللغة البصرية ، والمفردة الشعرية التي كانت تشبه ما أقرأ في كتب الأدب . قصص ممتعة عن أفلام عظيمة لسينمائيين عظام ، وكانت تتخلل تلك القصص استشهادات من روايات ومن مقولات لبعض الأدباء . إضافة إلى الإشارات لروايات معينة تحولت إلى أفلام سينمائية عظيمة . و حقيقة ، فتنت بهذا التصاهر الساحر بين الأدب والفن ، فكنت أقرأ الروايات المشار لها في المقالات ، وأشاهد الأفلام المقتبسة عنها . وتعرفت أكثر على الكتب الفنية ، وتلك المخصصة لفن السيناريو . و بدأت أتابع السينما الجادة من عام 2006، وأتعرف على السينمائيين العظام وأفلامهم ، و زاد افتناني بهذا الفن ، الذي منحني رؤية فنية ، و عرفني على طرق مبتكرة أخلق بها مشاهدي وأركبها ، حتى تطورت معرفتي أكثر بفن السيناريو .
وأرجع سبب ما وصلت له من خبرة ومعرفة في مجال السيناريو ، وإلى ما اكتسبته من أدوات نقدية فنية، إلى صفحة سينمائيات ، ومحررها القدير رجا ساير المطيري . فالتأثير الذي أحدثه من خلال صفحته الأسبوعية "سينمائيات " لم يكن تأثيراً عادياً ، و يخيل لي لو سألت أي كاتب عما يبحث عنه ويهدف له من وراء كتاباته ، لكان التأثير الذي يحدثه في القارئ هو الجواب .وهذا ما فعلته صفحة سينمائيات الأسبوعية ، التي استطاعت أن تخلق وعي فني لدى القراء . وهذا الوعي الفني نلمس تأثيره حالياً ، حيث ساهم في تغيير واقعنا الفني وسيساهم مستقبلاً في إعادة بنائه .
لست وحدي من يدين بالفضل لـ " سينمائيات" و محررها ، و يثني على ما أحدثته من تأثير ، الكثير من السينمائيين الشباب والمهتمين والمتابعين يشاركونني رأيي هذا . حتى في المنتديات ، كان مرتادي أقسام الفن يتناولون ما كتب في "سينمائيات" ويتباحثون في موادها التي كانت تأخذ حقها من التحليل والنقاشات.
وقبل أن أختم أدرج رأياً آخر ، عن مقالات "سينمائيات " و عن دورها في إعداد نقاد المستقبل ، ورفع مستوى الوعي الفني للمنشغلين في مجال الدراما ، كتبه الناقد السينمائي : تاكني حميد عام (2005) بعنوان : قراءة في «مغامرة» رجا ساير المطيري.. النقدية السينمائية
وأخيراً ، عني وعن كل متابعي سينمائيات أقول : شكراً سينمائيات .


